يحيي بن حمزة العلوي اليمني

32

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

الله ، علم أن السبيل آكد في الاستحقاق بالصرف فيه من أجل عمومه وشموله لجميع القربات الشرعية والمصالح الدينية . الآية الثالثة قوله تعالى : وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [ الإسراء : 70 ] إنما أعرض عن ذكر حرف الاستعلاء وهو « على » وعدل عنه إلى حرف الوعاء وهو « في » مع أن الظاهر هو العلو على الأرض والفلك ، إعلاما بأن حرف الوعاء أقعد وأمكن هاهنا من حرف الاستعلاء ؛ لأن « على » تشعر بالاستعلاء لا غير من غير تمكن واستقرار ، و « في » تشعر هاهنا بالاستقرار والتمكن ، ومن حق ما يكون مستقرا فيه متمكنا أن يكون مستعليا له ، فلما كانت تؤذن بالمعنيين جميعا آثرها وعدل إليها وأعرض عن « على » دلالة على المبالغة التي ذكرناها ، وإنما ساوى في ذكر « على » بين قوله تعالى : أَ فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 22 ) [ الملك : 22 ] لاستوائهما جميعا في الدلالة على المبالغة ؛ لأن كل من كان منهمكا في الغى منغمسا في غمرات الباطل ، فهو في التمثيل بمنزلة من ركب وجهه ، وجعله مطية له يمتطيها إلى الوقوف عليه وإحرازه له ، ومن كان على الحق فهو في التمثيل بمنزلة من هو على طريق مستقيمة لا تعوّج به منتصب القامة ، لا ينحنى في صعود ولا هبوط ، فلما كان في كلتا حالتيه لا ينفك عن الركوب والاستعلاء إما لوجهه أو للطريق المستقيمة سوّى بينهما في حرف الاستعلاء ، وهذه لطائف دقيقة وأسرار غامضة يدريها من ضرب في هذه الصناعة بعرق ، وظفر فيها بحظ .